الشيخ محمد النهاوندي
39
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الواضح أنّ عجز الفصحاء عن الاتيان بمثل كلّ واحد من النجوم أظهر في الإعجاز من عجزهم عن إتيان مثل المجموع إذا كان نزوله جملة واحدة إذا كان تحدّى به . [ 2 ] - ومنه : أنّ في إنزاله نجوما كان لطفا على المؤمنين ، حيث إنّه كان بنزول نجم يزداد فرحهم ويقينهم ، كما قال اللّه تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ « 1 » . [ 3 ] - وأيضا : كان بنزول الآيات في مواقع الجهاد يزداد نشاطهم ورغبتهم وجدّهم فيه ، وإذا نزلت بهم بليّة ثم نزلت في شأنهم آية ، كان يهون عليهم تلك البليّة ، وإذا وقعوا في تعب وعناء ، كان نزول الآيات يزيل تعبهم وعناءهم بتكميل بصيرتهم ويقينهم . [ 4 ] - ومنه : أنّ مناسبة الوقائع ، وخصوصيّات المقامات ، وانضمام القرائن الحاليّة ، كانت موجبة لزيادة البلاغة . [ 5 ] - ومنه : أنّ نزول بعض الآيات ردّا على الكفّار في مواقع معارضتهم ، أو إلقاء شبهاتهم ، أو تهديدا لهم عند صدور استهزءاتهم والطعون منهم على الاسلام والمسلمين ، أو زجرا لهم عند إرادتهم الفساد في الدّين ، كان أشدّ تأثيرا في تبكيتهم وتقريعهم وردعهم وزجرهم وهدايتهم وتبعهم إلى الايمان والانقياد للحقّ . [ 6 ] - ومنه : أنّ نزوله مفرّقا أدعى لقبوله وتحمّل إطاعة أحكامه ، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة ، فإنّه كان يثقل قبوله على كثير من الناس لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي . روي عن عائشة أنّها قالت : إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصّل « 2 » فيها ذكر الجنّة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أوّل شيء : لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل : لا تزنوا ، لقالوا : لا ندع الزّنا أبدا « 3 » . وعن الباقر عليه السّلام قال : « ليس أحد أرفق من اللّه تعالى ، فمن رفقه تبارك وتعالى أنّه نقلهم من خصلة إلى خصلة ، ولو حمل عليهم جملة واحدة لهلكوا » « 4 » . وفي رواية عنهم عليهم السّلام : « أنّ اللّه تعالى إذا أراد أن يفرض فريضة أنزلها شيئا بعد شيء ، حتّى يوطّن
--> ( 1 ) . التوبة : 9 / 124 . ( 2 ) . قيل : المفصل : مجموعة سور تبدأ من سورة محمد صلّى اللّه عليه وآله إلى آخر القرآن ، سميت بذلك لكثرة الفواصل بينها . تفسير الصافي 1 : 18 ، وراجع : الطرفة ( 13 ) . ( 3 ) . صحيح البخاري 6 : 318 / 14 . ( 4 ) . الكافي 6 : 395 / 3 ، التهذيب 9 : 102 / 443 .